ورطة الإنتخابات .. عندما تفقد المقاعد قيمتها وتبرز الأرقام

عندما تفقد المقاعد قيمتها وتبرز الأرقام

عندما تفقد المقاعد قيمتها وتبرز الأرقام 

بقلم - المصطفى اسعد 

انتهت انتخابات 23 شتنبر 2026، وأغلقت الصناديق أبوابها، وبدأت الأحزاب في عد المقاعد، وبدأ الصحافيون في عد الرابحين والخاسرين، وبدأ السياسيون، كعادتهم، في البحث عن الطريقة التي تجعل كل واحد منهم يبدو منتصرا حتى لو كان عليه أن يشرح لنا كيف انتصر وهو يتراجع .. هذه هي السياسة ، فنحن في المغرب لا ننتخب فقط من حصل على أكبر عدد من المقاعد، بل ننتخب أيضا الرواية التي سيقدمها كل حزب عن نفسه في اليوم الموالي للانتخابات . 

النتائج، كما أعلنتها وزارة الداخلية ، وضعت الأصالة والمعاصرة في المقدمة بـ97 مقعدا ، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54، والحركة الشعبية ب 29 , والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري ب 17 فيما حصل تحالف اليسار على 8 مقاعد ومثلها للحركة الديمقراطية الاجتماعية والباقي قسم على احزاب اخرى ،  أما نسبة المشاركة فبلغت 38.08 في المائة، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021.

وباللغة التي تحبها الانتخابات، فإن «البام» هو الفائز ، أما باللغة التي تحبها السياسة، فالقصة أكثر تعقيدا ، لأن الانتخابات ليست دائما مسابقة من يفوز بالمرتبة الأولى، وإنما مسابقة من يستطيع تحويل ما حصل عليه في الصندوق إلى قوة سياسية تستمر بعد الصندوق .. والأصالة والمعاصرة اليوم أمام مفارقة جميلة في ظاهرها وثقيلة في مضمونها بحيث حصل على 97 مقعدا ، لكنه لم يحصل على الحكومة؛ لقد ربح الانتخابات، لكنه لم يربح بعد معركة تشكيل الأغلبية ، وهنا يبدأ الجزء الذي لا تظهره شاشات التلفزيون ولا صور الاحتفالات .. 97 مقعدا رقم كبير، لكنه ليس 198، والـ198 هي الرقم الذي يحتاجه أي تحالف لبلوغ الأغلبية المطلقة في مجلس النواب ، وهذا يعني أن فاطمة الزهراء المنصوري ورفاقها سيحتاجون إلى كثير من الهواتف، وكثير من القهوة، وربما كثير من الذاكرة القصيرة أيضا ، لأن التحالفات السياسية في بلادنا تستطيع أحيانا أن تجعل الخصم الذي كان بالأمس «خطا أحمر» يصبح اليوم «شريكا طبيعيا».

وهذه ليست سخرية من السياسة المغربية وحدها؛ إنها طبيعة السياسة في كل مكان .. فالسياسة، كما قال بسمارك، ليست فنا في الممكن فقط، بل هي فن الممكن .. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح «الممكن» أكثر اتساعا من الذاكرة ، والـ«بام» يعرف جيدا أن الوصول إلى الحكومة شيء، والحكم شيء آخر ، فالناخب المغربي لم يمنح الحزب 97 مقعدا لكي يحتفل بها خمس سنوات .. منحها له، أو هكذا يفترض، لكي يجد عملا ، ومستشفى أفضل، ومدرسة أفضل، وإدارة أقل تعقيدا، وقدرة أكبر على مواجهة الأسعار، وشعورا بأن الدولة الاجتماعية ليست مجرد عبارة جميلة في الخطب ، فالانتخابات تعطيك المقاعد، لكنها لا تعطيك النتائج، والحكومة التي ستولد من هذه الانتخابات ستكتشف سريعا أن المغربي لا يأكل الأغلبية البرلمانية، ولا يركب التحالفات، ولا يدفع فاتورة الكهرباء بالشعارات.. يدفعها بالمال، وهنا بالضبط يبدأ الامتحان.

لكن المفاجأة السياسية الكبرى في هذه الانتخابات ليست في الرقم 97، إنها في الرقم 54 ، فحزب العدالة والتنمية الذي خرج من انتخابات 2021 وهو يحمل واحدة من أقسى الهزائم في تاريخه، عاد بخمسة وأربعين مقعدا إضافياً تقريبا ، وانتقل من 13 إلى 54 ، وهذه ليست عودة عادية، هذه رسالة سياسية، حتى لو اختلفنا مع مضمونها .. والأهم أن الحزب عاد هذه المرة من الباب الذي يعرفه جيدا واقصد هنا المعارضة ، وهذا ما حدث بالضبط فأمينه العام عبد الإله بنكيران لم ينتظر طويلا ليعلن أن حزبه لا يرى نفسه داخل حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، ووضع منذ الساعات الأولى سقفا سياسيا واضحا لموقع الحزب المقبل ، وبنكيران، الذي يعرف جيدا كيف يحول الجملة السياسية إلى مادة إعلامية، قال إن «المعركة لم تنته» .. قد يختلف المرء معه، وقد يتفق، لكن يصعب إنكار شيء واحد أن الرجل يعرف أين توجد الكاميرا، ومتى يتحدث إليها ، والبيجيدي، بعد خمس سنوات من التراجع ، لم يعد مضطرا إلى الدفاع عن حصيلة حكومية، ولا إلى شرح قرارات اتخذها وهو في السلطة ، لقد عاد للمعارضة وهي المكان الذي يكون فيه أكثر راحة سياسيا ، وهذا قد يكون أهم من الـ54 نفسها ، فالسلطة تحمل السياسي مسؤولية ما يفعل، أما المعارضة فتمنحه مساحة واسعة ليسأل ، وهنا تبدأ اللعبة ، فالحكومة سترث الملفات، والبيجيدي سيرث الميكروفون .. وإذا كانت الأغلبية ستحتاج إلى الدفاع عن كل قرار، فإن المعارضة ستحتاج فقط إلى العثور على القرار الذي يمكن مهاجمته، ولهذا قد تكون السنوات المقبلة أكثر صخبا داخل البرلمان.

أما اليسار، فقصته أكثر هدوءا في الأرقام، لكنها ليست بلا معنى ، ثمانية مقاعد لتحالف اليسار قد تبدو قليلة جدا في حسابات تشكيل الحكومة، لكنها قد تكون كثيرة جدا في حسابات صناعة النقاش ، وهذه نقطة يغفل عنها كثيرون ، فليست كل قوة سياسية تقاس بعدد النواب، وأحيانا يستطيع نائب واحد أن يفتح ملفا لا يفتحه خمسون نائبا ، واليسار المغربي، إذا عرف كيف يستعمل البرلمان، يستطيع أن يعود إلى النقاش من بوابة القضايا التي يملك فيها رصيدا تاريخيا من قبيل العدالة الاجتماعية، الحريات، الديمقراطية، المساواة، الحماية الاجتماعية، الحريات الفردية، ودور الدولة.

بل هناك مجال آخر قد يكون أكثر أهمية مما يبدو وهو الدبلوماسية الحزبية .. فاليسار المغربي، بحكم علاقاته التاريخية مع الأحزاب اليسارية الأوروبية وأمريكا اللاتينية، يملك لغة سياسية تستطيع أن تصل إلى عواصم لا تصل إليها أحيانا اللغة الرسمية ، وفي قضية الصحراء المغربية تحديدا ، لا يكفي أن تكون لدينا سفارات ، نحتاج أيضا إلى أحزاب وبرلمانيين وأصدقاء سياسيين يعرفون كيف يتحدثون مع نظرائهم في الخارج ، فالدبلوماسية الرسمية تقوم بعملها، لكن الدبلوماسية الحزبية تستطيع أن تفعل شيئا مختلفا مثل أن تدخل إلى الصالونات السياسية، و المؤتمرات الحزبية، و البرلمانات اليسارية ، وإلى شبكات الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية، حيث تصنع مواقف كثيرة قبل أن تصل إلى الحكومات ، وفي ملف العلاقات المغربية الإسر ائيلية أيضا ، قد تعود السياسة إلى البرلمان من باب أوسع؛ فالعدالة والتنمية واليسار يحملان مواقف مختلفة عن الاختيارات الرسمية للدولة في هذا الملف، ووجودهما القوي نسبيا داخل البرلمان يعني أن النقاش قد يصبح أكثر حضورا ، وهذا في حد ذاته ليس مشكلة، بل ربما تكون الديمقراطية بحاجة إلى أن تسمع الدولة أصواتا لا تتفق معها ، فالاختلاف لا يعني بالضرورة الانقسام، والنقاش لا يعني بالضرورة تغيير القرار .. الدولة لها خياراتها الاستراتيجية، والأحزاب لها حقها في النقاش والتعبير والمساءلة، وهنا تكمن قيمة البرلمان عندما يكون حقيقيا ، أن يسمح للاختلاف بأن يعيش داخل المؤسسة بدل أن يبحث عن الشارع وحده.

لكن في المقابل، هناك أحزاب ينبغي أن تتوقف قليلا أمام المرآة مثل الاتحاد الاشتراكي الذي تراجع من 34 إلى 26، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 ، وهذه الأرقام ليست كارثة، وليست نهاية التاريخ، لكنها بالتأكيد ليست دعوة إلى النوم والراحة ، لأن الأحزاب التاريخية لا تعيش على التاريخ، والناخب الشاب لا يصوت لك لأن عبد الرحيم بوعبيد أو علي يعثة كانا عظيمين  ، ولا لأن الحزب لعب دورا مهما في السبعينيات والثمانينيات .. فالتاريخ مهم لنا جميعا لدراسته واحترامه ، لكنه لا يدفع ثمن الكراء، وهذه ربما واحدة من أكبر مشكلات اليسار التقليدي في المغرب ، ما زال يملك ذاكرة أكبر من قدرته على إنتاج المستقبل.

أما الأحرار والاستقلال، فلهما قصة أخرى؛ الأحرار تراجع من 102 إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65 ، لكن كلاهما يظل رقما صعبا في أي معادلة حكومية ، وهنا مرة أخرى، ستثبت السياسة أنها ليست رياضيات مدرسية ، قد يحصل حزب على 97، لكنه يحتاج إلى حزب آخر حصل على 65، وربما حزبا ثالثا حصل على 66، ثم يبدأ الجميع في حساب من سيأخذ ماذا ، وهكذا تتحول السياسة إلى شيء يشبه سوق الخضار، لكن مع بدلات وربطات عنق وكلمات مثل «البرنامج» و«المصلحة الوطنية». المشكلة ليست في التحالفات، فالتحالفات جزء طبيعي من الديمقراطية البرلمانية، المشكلة فقط عندما يصبح البرنامج آخر شيء يتم الحديث عنه بعد توزيع المواقع .. وهنا ينبغي أن نتذكر أن المغاربة لا ينتظرون أسماء الوزراء بقدر ما ينتظرون أسماء الأشياء التي ستتغير في حياتهم.


لكن هناك رقما آخر، في رأيي، أهم من كل الأرقام السابقة 38.08 في المائة ، فهذا هو الرقم الذي يجب ألا ندفنه تحت احتفالات الأحزاب ، هذه ليست نسبة صغيرة فحسب، إنها إنذار سياسي هادئ ، بحيث لم يشارك سوى 38.08 في المائة من المسجلين، أي إن أكثر من ستة من كل عشرة مسجلين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع .. وبطبيعة الحال، لا يجوز أن نقول إن كل هؤلاء قاطعوا لأنهم غاضبون من الأحزاب ، هذه تبسيطات لا تليق بالصحافة ولا بالتحليل .. لكن من الغباء أيضا أن نتعامل مع الرقم وكأنه مجرد حالة جوية ، فهناك شيء ما يحدث ، وعندما يذهب السياسي إلى مهرجان انتخابي فيجد الآلاف أمامه، ثم يذهب إلى الصندوق فلا يجدهم، فربما عليه أن يسأل نفسه .. هل كانوا جمهورا سياسيا أم جمهورا انتخابيا مؤقتا؟ .. ربما المشكلة أن الأحزاب تتحدث كثيرا عن المواطن ولا تتحدث معه بما يكفي، وربما المواطن لم يعد يصدق أن تغيير اسمه في ورقة التصويت سيغير كثيرا من تفاصيل حياته، وربما هناك جيل كامل ولد في زمن الإنترنت، لكنه ما زال يجد نفسه أمام خطاب سياسي يشبه خطاب آبائه ، وهذا الجيل لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، يحتاج إلى سبب يجعله يصدق أن صوته له قيمة.

هنا بالضبط تكمن المعضلة بحيث يمكن للأحزاب أن تتبادل التهاني، ويمكن للقيادات أن تلتقط الصور، ويمكن أن تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، ويمكن للسياسيين أن يكتشفوا فجأة أنهم كانوا دائما متفقين على "المصلحة الوطنية" ، لكن خارج كل ذلك، هناك مغربي لم يصوت، ومغربي آخر صوت ولم يعد يعرف ماذا حدث لصوته، ومغربي ثالث صوت لأنه صدق وعدا معينا ، وهؤلاء الثلاثة هم الاختبار الحقيقي لأي حكومة .. وكما قال ونستون تشرشل، الديمقراطية ليست نظاما مثاليا ، لكنها تقوم على أن تبقى السلطة مرتبطة بإرادة الناس ومراقبتهم .. والمشكلة ليست أن الديمقراطية المغربية فشلت ، هذا حكم كبير لا تقوله نسبة مشاركة وحدها ، لكن المشكلة أن الديمقراطية تحتاج إلى مواطنين يؤمنون بأن وجودهم فيها له معنى .. فالانتخابات ليست مجرد يوم نرتدي فيه أفضل ملابسنا، نذهب إلى مكتب التصويت، نضع ورقة في صندوق شفاف، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئا لم يكن ، الديمقراطية عقد، والعقد إذا فقد أحد طرفيه الثقة، يصبح مجرد ورقة.

لذلك، نعم، الأصالة والمعاصرة ربح الصناديق ، لكن العدالة والتنمية ربح فرصة سياسية لم تكن متاحة له قبل خمس سنوات، واليسار ربح فرصة أخرى لإثبات أن الثمانية يمكن أن يصنعوا ترافعا أكبر من الثمانين إذا امتلكوا الفكرة والجرأة والقدرة على العمل ، أما الأحزاب التي ستشكل الحكومة، فقد ربحت شيئا أخطر من الانتخابات وهي المسؤولية ، لأن السياسي قد يكتب منشورا يقول فيه «شكرا لثقة المواطنين»، لكن المواطن سيقول له بعد شهر او شهرين أين الوعد؟ وبعد سنة: ماذا فعلتم؟ وبعد أربع سنوات ماذا تغير؟ وهنا ينتهي مفعول الشعارات ، فالانتخابات تمنح السياسي خمس سنوات، لكنها لا تمنحه خمس سنوات من الصمت.

ومن وجهة نظري البسيطة ربما يكون العنوان الحقيقي لانتخابات 2026 ليس من فاز ، فهذا السؤال أجابت عنه الصناديق ، السؤال الأصعب هو من يستطيع أن يجعل المغربي يؤمن مرة أخرى بأن السياسة تستحق أن يذهب من أجلها إلى الصندوق؟ .. لأن " الأرقام " أو المقاعد 97 يمكن أن تصنع حكومة، و54 يمكن أن تصنع معارضة، و8 يمكن أن تصنع صوتا ، لكن لا أحد يستطيع أن يحكم بـ38 في المائة من المشاركة ويقول إن المشكلة انتهت .. فالانتخابات انتهت مساء 23 شتنبر، أما امتحان السياسة المغربية، فقد بدأ صباح 24 شتنبر ، والناخب هذه المرة لن ينتظر خمس سنوات كي يضع ورقة أخرى ، قد يكون صوته في المرة المقبلة هو أن لا يأتي أصلا وهذا في السياسة أخطر من خسارة مقعد.

تعليقات